انت هنا : الرئيسية » تقارير ومقالات » عمرو بن العاص‏..‏ والأقباط

عمرو بن العاص‏..‏ والأقباط

عمرو بن العاص‏..‏ والأقباط

 

وإذ يواصل دعاة الفتنة والتطرف دعواتهم وادعاءاتهم المعادية لصحيح الدين ولصحيح الوطنية زاعمين أنهم بما يقولون من نعيق أشبه بنعيق البوم أقرب الي الإسلام الأول‏,‏ فإننا نرد عليهم بحقيقة ما كان عليه المسلمون الأوائل‏.‏

وثمة كتاب يحتاج الي نشره علي أوسع نطاق لأنه يحكي الحقيقة علي لسان مفكر غربي مسيحي هو كتاب فتح العرب لمصر للدكتور ألفرد بتلر‏..‏ وسنحاول أن نقتبس بعضا من معلومات وافرة وموحية وتقدم دليلا علي ما كان علي يدي المسلمين الأوائل‏.‏
ونقرأ وكان أقباط مصر ولكثرة ما لاقوه من ظلم الرومانيين ولمدة طويلة يرون في مجيء المسلمين نازلة أرسلها الله لينتقم لهم من ظالميهم‏[‏ ص‏225].‏
ولدي أول مفاوضة بين المسلمين والمقوقس‏,‏ كان عبادة بن الصامت هو المسئول عن التفاوض‏,‏ وبدأ عبادة الحديث مؤكدا أن الأقباط سيكونون آمنين علي أنفسهم وأموالهم وذراريهم‏,‏ مسلطين في بلادهم علي ما في أيديهم وما يتوارثونه فيما بينهم ويحفظ لهم كنائسهم ولا يتعرض لهم أحد في أمور دينهم‏[‏ ص‏287],‏ وينقل المؤلف الواسع الاطلاع علي ما كتبه المؤرخون العرب عن الطبري نص شروط الصلح التي وقعها فيما بعد قائد جيوش المسلمين عمرو بن العاص وفيه هذا ما أعطاه عمرو بن العاص أهل مصر من الأمان علي أنفسهم وملتهم وكنائسهم وصلبانهم وبرهم وبحرهم‏,‏ لا يدخل عليهم شيء من ذلك ولا ينتقص‏[‏ ص‏247],‏ وينقل عن المؤرخ النصراني حنا النقيوسي أن العرب وجدوا ما لم يعتادوا عليه في بلادهم‏,‏ فمصر السفلي كانت تشقها الترع الكثيرة‏,‏ وكان بعض هذه الترع لايمكن اجتيازه خوضا‏,‏ وبدأ العرب في اقامة قنطرة علي إحدي الترع عند قليوب‏,‏ ولأنهم لم يكونوا يتقنون هذه الصناعة فقد أخذ الأقباط يساعدونهم في ذلك حتي يسهل علي قوات المسلمين عبور هذه الترعة‏[‏ ص‏65].‏
ويروي بتلر لنا قصة عمرو بن العاص والبطريرك بنيامين بطريرك الأقباط الأرثوذكس‏,‏ فعندما استقر عمرو بن العاص في مصر سمع أن البطريرك كان هاربا منذ زمن ليس بالقصير من ظلم وعسف الرومان فأصدر أمرا كتابيا وقرر أن ينادي به في كل أرجاء مصر وجاء في هذا الأمر أينما كان بطريق الأقباط بنيامين نعده بالحماية والأمان وعهد الله‏,‏ فليأت البطريق الي هاهنا في أمان واطمئنان ليتولي أمر ديانته ويرعي أهل ملته‏[‏ ص‏455],‏ ثم ولم يلبث عهد الأمان أن بلغ بنيامين فعاد من مخبئه ودخل الاسكندرية دخول الظافر‏,‏ وفرح الناس برجوعه فرحا عظيما‏,‏ ولما بلغ عمرو بن العاص أمر مقدم بنيامين أمر بإحضاره إليه‏,‏ وأن يقابل بما يليق به من الترحاب والتكريم‏,‏ وقد كان بنيامين ذا هيئة جميلة تلوح عليه سمات الوقار والجلال‏,‏ وكان عذب المنطق يتكلم في تؤدة ورزانة‏,‏ فكان لذلك أثر عظيم في نفس عمرو حتي قال لأصحابه‏:‏ إنني لم أر يوما في بلد من البلاد التي فتحها الله علينا رجلا مثل هذا بين رجال الدين‏,‏ وألقي بنيامين بين يدي عمرو خطبة جليلة‏,‏ ولا شك أن عمرا لم يفهم منها حرفا‏,‏ ولكنه عندما عرف ما يقصده وفهم مراميه أحسن تلقيها وقبولها وجعله أميرا علي قومه لا يعارض فيهم أمرا‏,‏ وجعل له ولاية أمر دينهم‏[‏ ص‏457].‏
وكان عهد بنيامين في ظل الحكم الإسلامي بداية ازدهار جديدة للكنيسة‏,‏ فقد تلقي كثيرا من الدعم المالي والمادي والمعنوي من جانب عمرو بن العاص فنجح في جمع قومه ولم شعثهم ووجه همته الي اصلاح ما تهدم من الأديرة والكنائس واستطاع أن يجد ما يلزم من المال لهذا الاصلاح وأتمه وفق ما أراد‏[‏ ص‏459]‏ ويعود المؤلف لينقل لنا عن يوحنا النقيوسي وجدير بالذكر أن عمرو بن العاص لم يضع يده علي شيء من أملاك الكنائس ولم يرتكب ضد الأقباط شيئا من النهب أو الغصب‏,‏ بل انه حفظ الكنائس وحماها الي آخر مدة حياته‏,‏ ثم ينقل عن فانسليب أنه رأي بنفسه علي جدران الكنيسة المعلقة عهدا قدمه عمرو بن العاص لحماية الكنيسة ويلعن فيه كل من يحاول من المسلمين تدمير الكنيسة أو هدمها أو الاعتداء علي جزء من أجزائها‏[‏ ص‏490].‏
ويحفظ الأقباط لعمرو بن العاص احترامه لهم ولحقوقهم‏,‏ واذ يعود الرومان مرة أخري ليحتلوا الاسكندرية في محاولة لاستعادة مصر مرة أخري خرج الأقباط ليواجهوا الرومان تحت قيادة البطريرك بنيامين وكانوا يشدون من أزر العرب ويساعدونهم ويظهرون لهم المودة حافظين عدهم الذي تعاهدوا عليه‏(‏ ص‏485),‏ وحفظ عمرو للأقباط جميلهم هذا‏,‏ وأمر بتعويضهم عن كل ما أصابهم من أضرار بسبب مواجهتهم لقوات الرومان‏.‏
ومهما قلبنا في كتب التاريخ وأيا كان كتابها فإننا نجد الأدلة علي أن المسلمين‏,‏ أقصد المسلمين المتمسكين بصحيح الإسلام‏,‏ كانوا دوما حافظين لحقوق الأقباط وقائمين بعلاقاتهم معهم علي أساس المساواة‏.‏
واذ نطالع كتاب تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار للرحالة العربي الأشهر محب بن عبدالله اللواتي الشهير بابن بطوطة ونقرأ بعضا مما كتبه عن رحلته لمصر والشام نجد وبخارج اللاذقية الدير المعروف بدير الفاروحي وهو أعظم دير بالشام ومصر يسكنه الرهبان ويقصده النصاري من كل الآفاق‏,‏ وكل من نزل به من المسلمين والنصاري يستضيفونه‏(‏ ص‏99).‏
ثم يروي كيف وصل دمشق في زمن الطاعون الأعظم الذي اجتاح المنطقة كلها وكان عدد الموتي ألفين كل يوم في دمشق وحدها‏,‏ ويقول اجتمع الأمراء والأشراف والقضاة والفقهاء وسائر الطبقات علي اختلافها في مسجد الاقدام حتي غص بهم وباتوا ليلة الجمعة ما بين مصل وذاكر وداع وخرجوا جميعا علي أقدامهم وبأيديهم المصاحف والأمراء حفاة‏,‏ وخرج معهم جميع أهل البلد ذكورا واناثا‏,‏ صغارا وكبارا‏,‏ وخرج اليهود بتوراتهم والنصاري بإنجيلهم ومعهم نساؤهم وأولادهم‏,‏ وجميعهم باكون متضرعون الي الله بكتبه وأنبيائه‏..‏ وخفف الله تعالي عنهم ورفع الوباء‏(‏ ص‏114).‏
‏..‏ وهكذا يتحد المسلمون والمسيحيون في وجه المحنة فيرفعها الله عنهم‏,‏ وما نحن فيه محنة حقيقية تحتاج منا أن نتوحد ليس بالقول وانما بالفعل وممارسة واحترام كل حقوق الآخر‏..‏ فيرفع الله المحنة‏.‏
ويبقي بيت شعر لأحمد شوقي احفظوه جميعا‏,‏ ورددوه جميعا لعلكم تصلحون بعضا مما وقع من أخطاء‏..‏
صوت الشعب من الزئير مجمعا..فإذا تفرق صار بعض نباح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
نقلاً عن جريدة الأهرام القاهرية، 20-2-2010

Print Friendly

عن الكاتب

عدد المقالات : 155

اكتب تعليق

© 2012 التنوع , Developed by Loai

الصعود لأعلى