انت هنا : الرئيسية » تقارير ومقالات » حتى لا يفلت المجرمون من العقاب

حتى لا يفلت المجرمون من العقاب

حتى لا يفلت المجرمون من العقاب

فكرة أن لجان العدالة الإنتقالية وكشف الحقائق والبحث عن الحقيقة لا تعمل إلا بقرار سيادى يطلق لها العنان ويُوفر لها الإمكانيات ويسمح لها بالتحرك وجمع الوقائع وتدوين الأحداث تجعل قدرات المجتمع ومؤسساته المدنية خاملة وغير مُستفزة للإشتباك مع الأحداث؛ فهذه القناعة  تعنى أن حقوق الشهداء والمُعتقلين والمُعذبين الذين يسقطون فى ظل الأنظمة المستبدة القائمة والحاكمة تذهب أدراج الرياح طالما ظل النظام قائماً ورافضاً لعمل لجان تقصي الحقائق ومعاقبة المجرمين الذين تسببوا فى القتل والتحريض وممارسة العنف الممنهج ضد الشعب والجماهير الوطنية.

  لذلك شغلتنى هذه الفكرة السائدة ودفعتنى للبحث فى التجارب العالمية التى شهدت قيام لجان للبحث عن الحقيقة وتقصي الحقائق نابعة من المجتمع ومكوناته الوطنية بعيداً عن فضاء الدولة وأنظمتها السيادية وأجهزتها الأمنية فكان سؤالى الرئيس ” هل يمكن للمجتمع أن ينجح فى عمل لجان تقصي حقائق والكشف عن الحقيقة بدون إذن النظام؟؟”

وكانت الإجابات الأولى غير مُبشرة خصوصا عندما اتصلت بباحثين عرب فى هذا الشأن فكان ردهم المؤكد !!!!  هو “لايمكن عمل لجان تقصى حقائق بعيدا عن رضى النظام وموافقة الدولة”، ونظراً لأهمية القضية ولطبيعة الظرف التاريخي الذى تمر به بلدان الربيع العربي والتى ورثت ركاما ضخماً من المظالم قررت تعميق البحث عبر القراءة، والبحث والتواصل مع المُختصين فخرجت بحقائق كاشفة وتجارب ناجزة تؤكد إمكانية تحرك المجتمع وقواته المدنية فى هذا المضمار مما يدفع فى النهاية النظام إلى الرضوح لمطالب هذه اللجان المجتمعية المُحترفة وسوف يتضح لنا هذا الأمر من خلال استعراض بعض التجارب العالمية فى هذا الإطار وفق التالي  

أولا : تجربة جواتمالا: ( مشروع تعافى الذاكرة التاريخية) (REMHI) الذى قامت به الكنيسة الكاثوليكية والذى أصدر تقريراً مُفصلاً بعنوان ” جواتمالا.. نونكا ماس “ ( guatumala nuncamas) والذى شكل سابقة محلية فى انطلاق لجان تقصى حقائق من طرف المجتمع وتم الإستعانة بهذا التقرير بعد ذلك فى لجان تقصى الحقائق الرسمية التى أنشأتها الدولة لاحقا.

ثانيا: تجربة كولومبيا : حيث أسست المحكمة العليا لجنة تقصى حقائق  فى العام 2005 للبحث فى قضية محددة وهى قضية قتل واختطاف رهائن من القضاة فى العام 1985  حيث انطلقت هذه اللجنة ومارست أعمالها بعيدا عن فضاء القرارات السيادية والرئاسية وتحرك القضاه بأنفسهم فى القضية .

ثالثاً : تجربة البرازيل:  خلال عبور البرازيل مرحلة التحول الديمقراطى و الخروج من فلك الإنقلابات العسكرية نحو بناء النظام المدنى الديمقراطي  تحرك المجتمع المدنى  هناك سريعا قبل أنظمة الدولة  حيث أنشأت العديد من الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدنى والمحليات والجامعات  لجان تقصى حقائق وأصدرت تقارير موثقة بخصوص الوقائع وقد استفادت لجنة تقصى الحقائق الرسمية بعد ذلك من هذه التقارير التى أصدرتها مؤسسات المجتمع .

رابعاً : تجربة كندا : حيث أُجبرت الحكومة الكندية  فى العام 2009 على تكوين لجان الحقيقة والمصالحة بالشراكة بينها وبين خمس كنائس محلية وبالتعاون مع جمعية الأمم الأولى الأهلية للبحث فى تسوية عادلة لوضيعة المدارس الخاصة بالأقليات وهذا جاء بعد تحرك هذه الكنائس والجمعيات تقربيا من العام 1998 فى القضية عبر إنشاء لجان متخصصة فى هذا الإطار

يتضح لنا  مما سبق أن المجتمع قادر على إرغام الأنظمة المستبدة والقمعية على الرضوح لمطالب العدالة ومعرفة الحقيقة وإلزام الجميع بالخضوع للمسائلة والتحقيق ولو استغرق هذا الأمر وقتا من الزمن ولكنه مضمون النتائج ومُجرب عند كثير من أمم الأرض ، فبقاء الذاكرة المجتمعية نشطة وموثقة ومسجلة بخصوص الجرائم يجعل فرص إفلات المجرمين الذين انتهكوا حرمة الوطن والمواطن  تكاد تكون معدومة فى ظل وجود شراكات مجتمعية عالمية تساعد فى هذا الإطار

Print Friendly

عن الكاتب

عدد المقالات : 155

تعليقات (1)

اكتب تعليق

© 2012 التنوع , Developed by Loai

الصعود لأعلى