انت هنا : الرئيسية » صدى الأحداث »  الملائكة ترقص فى ماليزيا

 الملائكة ترقص فى ماليزيا

 الملائكة ترقص فى ماليزيا
ياسر الغرباوي

بلد جسده  صغير لا تتجاوز مساحته نصف مساحة مصر عائم وسط أمواج  المحيط الهندى وبحر الصين،يكاد يمربه خط الإستواء، ولا تغادر سمائه الأمطار، تحيطه به الغابات من كل مكان، وترسم الأشجار الباسقات على تلاله وجباله لوحات باهرات من الجمال والجلال،وعلى أرضه يعيش شعب متناغم ومتوافق كفريق عازف فى إحدى دور الأوبرا الإيطالية يعيشون حلما واحدا ويعزفون لحناً بديعيا قوامه المحبة والتراحم والسلام .

وعلى نواصى الشوارع والأحياء فى هذا البلد الجميل تتداخل أصوات أجراس الكنائس مع تكبيرات المساجد، وتتعانق موسيقي المعابد الصينية مع نغمات الصلوات فى المعابد الهندوسية، وتتجاور هناك صوامع البوذيين مع أماكن لقاء اللادينيين فى تداخل وسكينة يجد فيها البوذى راحته واللاديني بغيته بدون ضجيج ولا ازعاج،وهناك فى هذا البلد ذو القلب الكبير عندما تفتح عينك وأنت فى القطار تشعر تارة أنك فى العاصمة الصينية بكين وتكاد تجزم مرة أخري أنك دخلت شوارع نيودلهي خطأ،وعندما يتوقف بك  القطار ربما تحس أنك وصلت إلى العاصمة الإندونيسية جاكرتا، فهذا الوطن يقولون عليه أنه مختصر القارة العملاقة أسيا من حيث تنوع الأعراق والأديان واللغات فهنا فى كوالالمبور بإمكانك أن تستمع بالأجواء الهندية الخالصة إذا وطئت قدمك الحى الهندي وسط العاصمة وتقدر أن تعيش ساعات وكأنك وسط بكين إذا دخلت إلى الحي الصيني القابع بجوار المسجد المركزي الوطنى وإذا كنت عربيا تريد أن تشرب القهوة العربية وتتناول الأكلات اليمنية فستجد حى العرب فى العاصمة متهيىء لك ولرغباتك .

هكذا بدت لى ماليزيا فى زيارتي الأخيرة لها واحة من السلام الإجتماعي والتسامح المُبهر والتعايش الفاتن والتآزر الأهلى البديع حتى أنه ليُخيل للرائي أن ملائكة التسامح ترقص فرحا هناك !!!؛فقد وجدت شعبا متنوعا بعدد ألوان قوس قزح لاهم لهم سوى أن ينهضوا بهذا البلد الصغير وينشروا نسمات العدالة والمساواة على جنبات أرضه البالغة الخصوبة والجمال ،فالكل مستمتع وفخور بماليزيته بشكل مثير للإهتمام فقد حاولت الاحتكاك بالشباب الماليزي من كافة الأعراق والديانات فعندما  كنت أجد شاب بجوارى فى القطار ملامحه صينية خالصة أبادر بسؤاله هل أنت صيني؟؟ فأجد على وجه بدايات الغضب من مجرد السؤال!! ويرد بقوة وحسم أنا ماليزي، فأحاول مرة أخري فأقول له اليست جذورك من الصين ؟؟ فيرد ثانية أنا ماليزي ،وهكذا حاولت مع الشباب أخرين  من أصل هندى فكانت نفس الإجابة والتعليق فالكل فخور أنه ماليزي وسعيد لدرجة أنه نسى أصوله التاريخية القديمة وأصبح فرداً فاعلاً فى الحلم الماليزي الجديد أرض السلام والتنمية ،فماليزيا اليوم بوتقه صهر للأعراق والأديان تحت سماء وطن واحد، شبابها يتفجر حماسة وعلماً وعملاً لتحقيق رؤية الدولة  الماليزية الجديدة فى العام 2020 .

وقد جاءت زيارتي هذه لماليزيا فى  إطاراهتمامى بقضايا التعايش وفض النزاعات وإدارة التنوع والإختلاف و التعرف على النماذج الإنسانية الناجحة التى قطعت شوطا فى هذا المضمار الشاق ومن ثم محاولة نقل هذه الخبرات والمعارف إلى ساحات الوطن العربي التى تئن من الطائفية ودعوات الكراهية والانقسام والتحريض على العنف والقتل على الهوية فنحن منذ العام 2008 نعمل فى مركز التنوع على مقاومة وتفكيك الأفكار الانقسامية والطائفية فى العالم العربي ونُبشر الشباب الواعد بأن مستقبل الأوطان مرهون بطرح  أفكار جديدة تتجاوز جراحات الماضي وتنحاز للمستقبل وتقدس الكرامة الإنسانية والحرية الشخصية،ولا يخفى عليكم  جميعا كم الصعوبات التى نجدها من المتعصبين والطائفيين الذين لايتخيلون أن التعايش والتسامح موجود فى دنيا الناس، ولكن بعد زيارتي لماليزيا يمكننى الإجابة بكل ثقة على المُتعصبين بأن الإجابة ماليزيا؛ فشعبها غالبيته مسلمة لكنه يحتضن الأقليات العرقية والدينية بكل ترحيب وسرور.

بعد عرض هذه الأسطر السابقة عن التجربة الماليزية التى نجحت إلى حد كبير فى إدارة التنوع والإختلاف يبرز السؤال الأهم وهو كيف نجحت ماليزيا فى صناعة هذا النموذج الحضاري من التعايش والتسامح؟؟ وكيف تغلبت على العقبات التى وقفت أمامها فى هذا الطريق؟؟، وكم استغرق هذا من الوقت ؟؟ ستكون الإجابة على هذا التساؤلات موضوع المقال القادم بحول الله تعالي ويشرفنى تواصلكم.

Print Friendly

عن الكاتب

عدد المقالات : 155

تعليقات (1)

اكتب تعليق

© 2012 التنوع , Developed by Loai

الصعود لأعلى