انت هنا : الرئيسية » تقارير ومقالات » 5 مهام للمبادرة السياسية الناجحة

5 مهام للمبادرة السياسية الناجحة

5 مهام للمبادرة السياسية الناجحة
ياسر الغرباوي

العربي الجديد

حاورت  أحد القيادات الشابة لجماعة الإخوان المسلمين، فسألته: لماذا لا تطرحون مبادرة تاريخية لفض النزاع توفر على المجتمع المصري الأوجاع والدماء؟ كان رده: هل إذا توقفنا عن خيار الحل الثوري سيتركنا النظام فى حالنا؟

اتضح لي من إجابته البسيطة والمباشرة غياب ثقافة التفاوض وفلسفة عمل المبادرات لديه، إذ يمكن القول أنه من الأخطاء الإستراتيجية الشائعة التي تعيق العقل وتمنعه من الفعل، قصر هدف المبادرة السياسية في زاوية استجابة النظام السياسي المهيمن لها وتفاعله معها؛ فللمبادرات السياسية مقاصد كبرى وغايات عظمى تتحقق من خلالها وبها بعيداً عن حصرها وتقزيمها والنظر إليها باعتبارها رسالة للنظام فقط دون المجتمع، وسيتجلى ذلك من خلال عرض العديد من المبادرات السياسية التاريخية والمعاصرة التي غيرت مسار أمم وشعوب ومجتمعات، بما يثبت ويكشف عن أهداف ومقاصد ومآلات المبادرات بعيداً عن الانفعال والتوتر.

أولاً: نزع الغطاء الأخلاقي عن الخصم

عندما طرح الزعيم نيلسون مانديلا مبادرته السياسية القائلة “إنه لا يجوز أن يتعرض أي شخص أو تتعرض أي مجموعة من الأشخاص، للاضطهاد أو الإخضاع أو التمييز بسبب العرق أو الجنس أو الأصل الإثني أو اللون أو العقيدة فى جنوب إفريقيا بعد التحرر من هيمنة نظام الفصل العنصري”، نجح فى محاصرة نظام الفصل العنصري أخلاقيا على المستويين المحلي والإقليمي، وزاد من صعوبة حصول نظام الفصل العنصري على دعم دولي مساند له في ظل التفوق الأخلاقي والقيمي والمبادئ التي يدعو إليها مانديلا على رؤوس الأشهاد.

ثانياً: تصويب الأخطاء

المبادرات السياسية هي الترجمة الإجرائية والبرهنة الحقيقية لتصويب أخطاء الحركات والأنظمة الحاكمة؛ فعندما تعترف حركة من الحركات أو نظام قائم بوقوع أخطاء استراتيجية منه في حق الوطن والمواطن، يكون تصويب تلك الأخطاء عبر طرح مبادرة سياسية تاريخية جذرية تعالج هذا الخلل وتداوي تلك الخطايا والأخطاء التي وقعت سابقاً. ومن أفضل الأمثلة على ذلك مبادرة النظام الملكي المغربي بقيادة الملك الشاب محمد السادس في الاستجابة سريعا لمطالب الجماهيرالمغربية وطي صفحة الماضي المؤلم الخاصة بالملك الحسن الثاني عبر العديد من الإجراءات الدستورية والقانونية الداعمة للحرية والعدالة والمساواة.

ثالثاً: بناء تحالفات جديدة

أقدمت حركة النهضة التونسية على إطلاق العديد من المبادرات السياسية العميقة والجادة والمتتالية، بداية من قبول الدخول في تحالف الترويكا الحاكمة عقب الثورة مباشرة، ثم ترك السلطة والتخلي عنها طواعية، ثم خفض مستوى التمثيل السياسي للحركة على مستوى الحقائب الوزارية رغم حصولها على المركز الثاني في الانتخابات البرلمانية، وهو ما نجح في صناعة شبكة تحالفات سياسية جديدة في الفضاء التونسي جعلت من العسير على الفريق الذي لا يريد خيرا للثورة التونسية والشعب التونسي أن ينتصر. وقد علّق راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة على كل هذه المبادرات بقوله “لقد أقدمنا على مصافحة أيدٍ كنا نستنكف عن مصافحتها من موقع الخصومة السياسية، إذ رأينا في ذلك مصلحة البلد.. بل ذهبنا أبعد من ذلك إلى الانتقال بالعلاقة من موقع الصدام والتنافي إلى موقع التوافق والتعاون والمشاركة السياسية”.
رابعاً: فتح فضاء سياسي جديد

تستمر النزاعات الحادة، وتتفشى الصراعات الدامية، وتنطلق ذئاب الحروب الأهلية وسط المجتمعات والشعوب عندما يُصاب الأفق السياسي بالانسداد وتصلب الشرايين، ويصبح الجميع يُفكر بالعقلية الصفرية أما نحن أو هم، فقد ظلت إيرلندا الشمالية لسنوات عديدة موضع صراع عنيف ومرير بين الرومان الكاثوليك والاتحاديين البروتستانت، في الفترة من (1969–1993) سقط قرابة 3254 شخصاً، وجُرح 47 ألفاً، وسُجل حوالى 10 آلاف هجوم بالقنابل، و37 ألف حالة إطلاق رصاص، و22 ألف حالة سطو مسلح… وبعد قرابة ثلاثة عقود من الحرب الأهلية انتصر صوت العقل والحكمة، ونجحت إيرلندا الشمالية في تجاوز الاقتتال الأهلي عندما ولّت وجهها شطر السلام واستجابت هي وبريطانيا والمجموعات المسلحة فى إيرلندا للمبادرة الأميركية لفض النزاع فتم توقيع اتفاق “الجمعة العظيمة” عام 1998.
خامساً: الانحياز للمستقبل

وقت الصراعات الحادة والأزمات الاجتماعية والسياسية العميقة يسود الخوف على المستقبل، وتتفشى في الأمم العديد من الأسئلة العميقة عن شكل وطبيعة المستقبل السياسي والاجتماعي للمجتمع والدولة؛ فالجميع ينظر لأطراف الصراع القائم من زاوية ماذا سيحصل إذا انتصر طرف ما على الآخر؟ وماهو سقف الحرية المتوقع إذا انتصر الطرف سين على الطرف صاد ؟ وماهو شكل العدالة الاجتماعية التي سوف تسود؟، وغيرها من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة، وهناك يأتي دور المبادرات السياسية لتشرح للجماهير شكل المستقبل السياسي المُرتقب، فكلما كانت الرؤية واضحة وجاذبة وحاشدة وتعكس آمال وتطلعات الجماهير كلما كانت فرص انحياز الكتل الجماهيرية لصالحها عالية؛ فقد انحاز العديد من البيض لحركات المساواة الزنجية في الولايات المتحدة الأميركية على الرغم من أن منطلق حركة الزنوج كان فئويًا وينتصر لفئة محددة، وذلك يرجع إلى أن الحركة تبنت استراتيجيات ما يعرف بنضال اللاعنف، ونجحت في إقناع المجتمع بأن نيل حقوق السود لا يعني حرمان البيض من الحقوق في المستقبل، وإنما يعني تحويل التنوع العرقي من نقطة ضعف للمجتمع الأميركي إلى نقطة قوة.

يتكشف لنا مما سبق أن صناعة المبادرات السياسية أمر يحتاج إلى فلسفة، ورؤية، وإلى أفق ثقافي بالغ الثراء والتنوع، ينحاز للمستقبل ويؤمن به، ويُقدّر المجتمع ويثق فيه بعيداً عن ثقافة الكراهية والتحريض المتبادل والانفعال؛ فليس من الإنصاف امتهان واختزال فكرة المبادرات السياسية الساعية إلى تقويض العنف والقتل، والحفاظ على المجتمعات في زاوية ماذا سيفعل النظام بها وما هي ردة فعله عليها، ولكن الأهم في فلسفة عمل المبادرات هو معرفة مدى قبول الجماهير لها والقناعة بها والتفاعل معها.

Print Friendly

عن الكاتب

عدد المقالات : 155

اكتب تعليق

© 2012 التنوع , Developed by Loai

الصعود لأعلى