انت هنا : الرئيسية » صدى الأحداث » دارفور… أبقار مُعطلة وفقر مديد

دارفور… أبقار مُعطلة وفقر مديد

دارفور… أبقار مُعطلة وفقر مديد
ياسر الغرباوي

العربي الجديد

غامرت مؤخراً بالسفر إلى إقليم دارفور غرب السودان فى مهمة تتعلق بفض النزاعات وبناء السلام؛ فكانت أبرز الملاحظات التى وقعت عليها وتأكدت منها بعين اليقين هى الثراء البالغ للإقليم من حيث الموارد الطبيعة، الحيوانية، والتعدينية؛ فعلى مرمى البصر سيُلاحظ الزائر لدارفور أن قطعان الماشية والأبقار والإبل تتحرك على صفحة الإقليم آناء الليل وأطراف النهار، وسيلامس امتداد الغابات والحشائش، وتوفر التربة الخصبة الصالحة لزراعة كافة أنواع المحاصيل، وسيجد المياة الجوفية المتدفقة، والأيدي العاملة الرخيصة، وعلى الرغم من هذا الثراء والغنى الطبيعي إلا أنى شاهدت مظاهر الفقر المدقع، وعاينت شواهد الأمراض المُعدية، فكيف تجتمع كل مظاهر هذا الثراء بجوار شواهد هذا الفقر المدقع؟؟
الإجابة السهلة لهذا السؤال تتمحور حول أن الحرب التى وقعت فى المنطقة هى السبب؛ وهذا جواب صحيح بدرجة كبيرة، ولكن هناك أسباب وروايات أخري سمعتها من أهالي في دارفور أنفسهم فتحت عيني على زاوية جديدة حول مسببات تفشي الفقر فى المنطقة غير الحرب والقتال؛ فالعديد من الرعاة فى الإقيلم الذين يملكون قطعان طويلة وعريضة من الأبقار التى تكاد تسد عين الشمس والتي تُقدر بمئات الآلاف من الجنيهات يعانون من الفقر والمرض!
فما هو سبب هذا التعارض الصارخ بين إنسان يملك مفاتيح الثروة لكنه يرزح تحت نير الفقر والمرض؟ وكمحاولة مني للفهم سألت الناس في المنطقة؛ فاتضح لي أن الثقافة الاجتماعية السائدة بين الرعاة هناك تحدد قامتك الأدبية في المجتمع الذي تعيش فيه بعدد ما تمتلك من أبقار! فكلما امتلك الشخص قطيعاً أكبر من البقر كلما ارتفعت قامته الاجتماعية، وزاد تقدير الناس له والعكس صحيح! فسلّم الصعود الاجتماعي يعتمد على مقدار ما لديك من قطعان الأبقار الثمنية
ولذلك يُعد من العيب والعار عندهم أن يُقدم الراعي على بيع أي بقرة أو ثور من القطيع! فالأبقار التي لديه فى القطيع تستخدم فقط كمهور للزواج، أو تُدفع كديات في حوادث القتل التي تقع بين القبائل، وغير مقبول اجتماعياً أيضاً بيع ألبان الأبقار فى الأسواق والاستفادة منها مالياً، فإذا فعل ذلك نقص رصيده من الاحترام والتقدير! لذلك تنتشر هناك قصص مذهلة تتعلق بهذه القضية، وما ينتج عنها من آثار اجتماعية واقتصادية منها على سبيل المثال أن الراعي الفقير إذا تصادف مرضه مع مرض إحدى بقراته وكان لايجد نقوداً تكفي لعلاجه وعلاج البقرة معاً فى نفس الوقت، ستجده بدون تردد يُقدم علاج البقرة أولاً قبل أن يُعالج نفسه!
وقد وجدت أن هذه الثقافة الاجتماعية مُنتشرة فى مناطق سودانية أخرى مثل كرودفان لدرجة أن الحكومة عندما أقامت مصنع بابنوسة في عام 1968م لإنتاج الألبان المجففة هناك لم تحصل على الألبان الكافية لتشغيل المصنع؛ لأن ملّاك الأبقار كانوا لا يبيعون الألبان إلاَّ في نطاق ما يتوفر لهم من نقود تكفي لشراء حاجياتهم البسيطة ولا يزيدون، على الرغم من أن المصنع قد وفر لهم شاحنات صهريجية مبردة لكي تصل لأصحاب الأبقار في مضاربهم إلاَّ أن هذه الشاحنات لم تكن تعود إلاَّ بالنذر اليسير؛ فاضطر المصنع أن يحول نشاطه إلى إنتاج الكركديه والصمغ العربي!
فى الختام يتضح لنا أن سؤال النهضة فى منطقتنا العربية والأفريقية ينبغي أن يمر عبر إحداث تغيير واسع وكبير فى عالم الأفكار، والتراث، والعادات الثقافية، والاجتماعية؛ فتوفر الثروة والموارد غير كاف وحده لإحداث نمو حقيقي وحدوث تقدم اقتصادي مستقر ومتراكم ودائم.

Print Friendly

عن الكاتب

عدد المقالات : 155

اكتب تعليق

© 2012 التنوع , Developed by Loai

الصعود لأعلى