انت هنا : الرئيسية » تقارير ومقالات » عاشوراء التركية والإيرانية

عاشوراء التركية والإيرانية

عاشوراء التركية والإيرانية
ياسر الغرباوي

 

التعرف علي  بعض الوقائع المعاصرة التي تتعلق بإدارة التنوع والاختلاف  في الساحة الإسلامية يمكننا من إدراك قرب الدول وبعدها عن تحقيق طموحاتها نحو النهوض والتقدم والسيادة من زاوية قوة ووحدة نسيجها الاجتماعي المكون لها …

عاشوراء التركية :

لايجادل أحد من المراقبين في كون تركيا دولة صاعدة تسعى نحو حجز مكان لها مع الكبار في الخريطة العالمية علي كافة المستويات، ويظهر ذلك جليا في كتاب”العمق الإستراتيجي لتركيا ”  لوزير خارجيتها أحمد داود أوجلو، وقد حققت إنجازات واضحة في هذا الجانب  علي المستوي العالمي ولكنها لتحقيق مزيد من النهوض والتقدم لابد لها من ضمان  وحدة نسيجها الاجتماعي  المتنوع مثل ألوان قوس قزح  ومن هنا يتضح لنا مدى وعي وحكمة القيادة التركية الحالية عندما أقدمت علي خطوات حقيقة تزيد من درجة وحدة واندماج مكونات المجتمع نحو المشروع التركي  الأكبر وتجلى ذلك في مشاركة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لأول مرة في مراسم “عاشوراء” التي أقيمت في ميدان “حالقالي”، أهم مراكز الشيعة الأتراك بإسطنبول، وألقى خطابا حول استشهاد الحسين رضي الله عنه وكربلاء،و قال أردوغان «لست هنا لأشارك في مصابكم بل في مصابنا… جميعاً»، واستشهد ببيت للشاعر الصوفي يونس إيمري «لم نأت للتنازع بل للحب»، وأضاف أردوغان «لقد قتل الحسين بوحشية… والشهادة التي عرفتها كربلاء تجرح في الصميم كل المؤمنين الذين يحبون أهل البيت، أضاف أردوغان “إننا لا نحب أن تتكرر فاجعة كربلاء في عالمنا المعاصر. إن قلوبنا جميعا قد احترقت بمصاب الحسين  رضي الله عنه،

هذه المشاركة أسعدت قرابة  ثلاثة ملايين مواطن تركي شيعي المذهب ورفعت من درجة انتمائهم للوطن التركي وستساعد في دمجهم  في مشروع تحقيق الحلم التركي الجديد ، وكان للمشاركة أيضاً صدى قوي في الأوساط الشيعية في المنطقة العربية وإيران مما ساهم في زيادة القوة الناعمة التركية في المحيط الإقليمي .

التحدي الكردي:

ولكن يظل أمام الحكومة التركية والشعب التركي تحدي آخر وهو المشكلة الكردية والذي يتمثل في قدرة الحكومة والشعب التركي على  استيعاب  ودمج القومية الكردية والتي تبلغ نحو 20% من مجموع عدد سكان تركيا وحل المشاكل التاريخية بين القوميتين الكردية والتركية وتحسين الصورة النمطية عن الأكراد في العقل الجمعي للمجتمع التركي من أجل سد الثغرات أمام خصوم تركيا الذين يريدون لها التقوقع والضمور .

عاشوراء الإيرانية :

في الوقت الذي احتفلت فيه تركيا بيوم عاشوراء وسط أجواء من التواصل الاجتماعي والوحدة الوطنية كانت هناك علي الضفة الأخرى في إيران كارثة اجتماعية تضرب الوحدة الوطنية الإيرانية في الصميم  فلقد لقي ما لا يقل عن 39 شخصا مصرعهم وجرح 55 آخرون في هجوم انتحاري بمدينة جابهار جنوب شرقي إيران وقع أمام مسجد في مدينة جابها مستهدفاً مراسم العزاء في ذكرى عاشوراء. وأعلن تنظيم «جند الله» السني مسؤوليته عن الهجوم الدامي وقال أنه انتقاماً لإعدام زعيم الجماعة عبد الملك ريحي في يونيو/حزيران السابق له.

هذا حادث أليم بكل الأحوال، ولكن السؤال الأهم لماذا تُقدم هذه الجماعة السنية علي فعل بهذه الخطورة؟؟ ولماذا تستخدم العنف ؟؟

أحد  أشهر الإجابات المتداولة ترى أن هذا الحادث وغيره هو نتاج تهميش وإقصاء وقهر الأقلية السنية في إيران دستورياً وسياسيا واجتماعيا واقتصاديا بالإضافة إلي التضييق عليها في إقامة شعائرها التي ربما تختلف عن شعائر المذهب الجعفري الإثناعشري السائد في إيران،وبغض النظر عن الخوض في مدى  صحة هذه الاتهامات من عدمها.  يؤشر المشهد  العام إلي فشل القيادة الإيرانية والمجتمع الإيراني في إدارة ملف التنوع والاختلاف في إيران ولذلك يُجمع العديد من المراقبين أن أحد أهم نقاط ضعف المشروع الإيراني هو سوء إدارة التنوع والاختلاف بين المكونات الاجتماعية المختلفة في إيران بحكم أن الأطراف الجغرافية للدولة تختلف عرقيا ومذهبيا عن القلب  ويعتبرون أن هناك احتقان وتنافر بدرجة من الدرجات بين  مكونات القلب وطبائع الأطراف مما يُوفر لخصوم إيران منافذ قاتلة للجسد الإيراني ربما تقوض البناء الإيراني برمته رغم قوته العسكرية والاقتصادية.

يتضح مما سبق أن المشروع التركي واعد في اتجاه المستقبل من ناحية حرصه علي تصفية النزاعات الداخلية بين مكوناته الاجتماعية المختلفة  وسعيه نحو ذلك بقوة من أجل تقوية روابط النسيج الاجتماعي وحشدها في مشروع تركيا المستقبل بينما المشروع الإيراني مهدد بقوة بحكم عدم أخذه خطوات حقيقة في سبيل حسن إدارة ملف الوحدة الوطنية  بين مكونات المجتمع الإيراني المتنوع مذهبيا وعرقيا ولغوياً ….

Print Friendly

عن الكاتب

عدد المقالات : 155

اكتب تعليق

© 2012 التنوع , Developed by Loai

الصعود لأعلى